تابع ـ الحكم الصادر في الدعوى رقم 21855لسنة 65القضائية
وحيث إنه وعن رقابة المحكمة لسبب القرار المطعون فيه ،فإن الثابت للمحكمة أن الجهة
مصدرة القرار ممثلة في كل من رئيس الجمهورية السابق محمد حسني مبارك ،ووزير
الداخلية األسبق حبيب العادلي ،ورئيس مجلس الوزراء األسبق أحمد نظيف ،تذرعت
باعتبارات األمن القومي كسبب لقرار قطع خدمات االتصاالت وخدمات اإلنترنت ،وقد انطوى
ذلك على إخفاء للسبب الحقيقي الذي تغيته من إصدار قرارها وأظهرت بديالً عنه سبب غير
حقيقي كان هو دافعها ،فصار للقرار سبب ظاهر تدعيه الجهات مصدرة القرار ،وسبب باطن هو
دافعها إلصدار القرار.
وحيث إنه وعن السبب الظاهر المدعى به لتبرير صدور قرار قطع خدمات االتصاالت
واإلنترنت والمتعلق بمراعاة اعتبارات (األمن القومي) وفقا ً ألحكام قانون تنظيم االتصاالت
المشار إليه ،فإنه من المتعين للوقوف على تحقق هذا السبب تحديد مفهوم األمن القومي بوجه
عام للوقوف على مدى انطباق ذلك المفهوم على الحالة الواقعية التي حدت بالمدعى عليهم إلى
إصدار القرار المشار إليه ومدى توفر حالة من حاالت المساس باألمن القومي أدت إلى استعمال
سلطة قطع خدمات االتصاالت واالنترنت ،ومدى جواز استعمال تلك السلطات في مواجهة
المواطنين في ضوء مدى تمتع االحتجاجات الشعبية بالشرعية الثورية ،فالثابت أن مصطلح
األمن القومي ( )National Securityولئن جاء نتيجة لقيام الدولة القومية وأعقبه ظهور
مصطلحات أخرى كالمصلحة القومية واإلرادة الوطنية ،إال أن األمن القومي ليس تعبيرا ً
فضفاضا ً أو مطاطا ً أو متسعا ً لتأويالت وتفسيرات السلطات اإلدارية ،وإنما هو ذو مفهوم محدد
ومدلول قاطع ال يتسع لالمتداد لغيره من المصطلحات ،فاألمن القومي هو " قدرة الدولة على
حماية أراضيها وقيمها األساسية والجوهرية من التهديدات الخارجية وبخاصة العسكرية منها
،انطالقا من أن تأمين أراضي الدولة ضد العدوان األجنبي وحماية مواطنيها ضد محاوالت
إيقاع الضرر بهم وبممتلكاتهم ومعتقداتهم وقيمهم هو دافع الوالء الذي يمنحه الشعب للدولة
بالعقد االجتماعي المبرم معه " ،ومع تطور مفهوم قدرة الدولة اتسع مفهوم األمن القومي إلى
(القدرة الشاملة للدولة والمؤثرة على حماية قيمها ومصالحها من التهديدات الخارجية
والداخلية) ،ولذلك كان لألمن القومي أبعادا ً سياسية ،واقتصادية ،واجتماعية ،وعسكرية ،
وأيدلوجية ،وجغرافية ،ولكل بُعد خصائصه التي تثبت ترابط تلك األبعاد وتكاملها ،فالبعد
السياسي لألمن القومي ذو شقين داخلي وخارجي ،يتعلق البعد الداخلي بتماسك الجبهة الداخلية
وبالسالم االجتماعي وبالمواطنة وتراجع القبلية والطائفية بما يحقق دعم الوحدة الوطنية ،أما
البعد الخارجي فيتصل بتقدير أطماع الدول العظمى والكبرى والقوى اإلقليمية في أراضي الدولة
ومواردها ومدى تطابق أو تعارض مصالحها مع الدولة سياسيا ً واقتصاديا ً واجتماعيا ً ،وهو بُعد
تحكمه مجموعة من المبادئ اإلستراتيجية التي تحدد أولويات المصالح األمنية وأسبقياتها ،أما
بالنسبة للبعد االقتصادي لألمن القومي فإن مسائل االقتصاد والدفاع واألمن كل ال يتجزأ ،ولذلك
فإن مجال األمن القومي االقتصادي إنما يمثل اإلستراتيجية الوطنية العليا التي تعني بتنمية
واستخدام كافة موارد الدولة لتحقيق أهدافها السياسية ،ومن ثم فإن النمو االقتصادي والتقدم
التكنولوجي هما الوسيلتان الرئيستان والحاسمتان لتحقيق المصالح األمنية للدولة وبناء قوة الردع
37